مرتضى الزبيدي

533

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

وقال أبو الدرداء : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إذا بلغه عن رجل شدة عبادة سأل عن عقله ، فإذا قالوا حسن قال : « أرجوه » وإن قالوا غير ذلك قال : « لن يبلغ » وذكر له شدة عبادة رجل فقال : « كيف عقله » ؟ قالوا : ليس بشيء . قال : « لم يبلغ صاحبكم حيث تظنون » . فالذكاء وصحة غريزة العقل نعمة من اللّه تعالى في أصل الفطرة فإن فاتت ببلادة وحماقة فلا تدارك لها . الثاني : المعرفة . وأعني بالمعرفة أن يعرف أربعة أمور : يعرف نفسه ، ويعرف ربه ، ويعرف الدنيا ، ويعرف الآخرة . فيعرف نفسه بالعبودية والذل وبكونه غريبا في هذا العالم وأجنبيا من هذه الشهوات البهيمية ، وإنما الموافق له طبعا هو معرفة اللّه تعالى والنظر إلى وجهه فقط ، فلا يتصوّر أن يعرف هذا ما لم يعرف نفسه ولم يعرف ربه ، فليستعن على هذا بما ذكرناه في كتاب المحبة ، وفي كتاب شرح عجائب القلب ، وكتاب التفكر ، وكتاب الشكر إذ فيها إشارات إلى وصف النفس وإلى وصف جلال اللّه ، ويحصل به التنبه على الجملة وكمال المعرفة وراءه ، فإن هذا من علوم المكاشفة ، ولم نطنب في هذا الكتاب إلا في علوم المعاملة . وأما معرفة الدنيا والآخرة فيستعين عليها بما